الطبیعة فی الشعر العربی المعاصر

کانت الطبیعة و ما زالت الملهم الاول لارباب الفن لاسیما الشعراء ذلکان الطبیعة ترافق الشاعر بمظاهرها طوال حیاته، و یستوحی منها عناصر تجربته الشعریة. کان وصف الطبیعة فی الشعر القدیم بابا طرقه معظم الشعراء و اتسعالمجال فیه و لم یخل منه دیوان من دواوینهم. عالج الشعراء، الطبیعة فی العصور المختلفة و امعنوا فی وصف مظاهرهابمختلف الاوصاف و النعوت، فالشاعر الجاهلی ادرک معالم الجمال فی طبیعة بیئته و قامبتصویرها جزئیا. و تخللت ابیاته لوحات جمیلة من الصور التشبیهیة و الاستعاریة التیاستمدها من الطبیعة. فجاء وصف الطبیعة خلال قصائد الجاهلین تمهیدا للغرض الرئیسی منالمدح و الهجاء و... کان وصف الشاعر الجاهلی جزئیا مفصلا معتمدا على قوة الخیال فهو یصورکل مشاهداته من الطبیعة الحیة و الصامتة، انه یصف الناقة و الخیول و الحمرالوحش بکلنعوتها و دقائقها کما یقوم بوصف الصخر و الجبال و السهول و الامطار بانواعها. و من الشعراء الذین برعوا فی شعر الطبیعة امرؤالقیس، طرفة بن العبد وزهیر بن ابى سلمى. هذا هو امرؤالقیس الذی یصور مشهد السرعة فی فرسه و یجعلنا امامجلمود من الصخر دفعه السیل من اعلى الجبال و یمزج الکر بالفر و الاقبال بالادبار ویعتمد على انفعالات حسیة. مکر مفر مقبل مدبر معا کجلمود صخر حطه السیل من عللکن هذا الوصف ظل حسیا مقتصرا على المشاهدات و المرئیات دون ان یندمجالشاعر فیما یصف و تمتزج احاسیسه بما یرى و یعیش بوجدانه فیما حوله، و رغم هذهالمادة التصویریة المکثفة لا نجد مشارکة الطبیعة فی احاسیس الشاعر مشارکة وجدانیةصادقة.

و لما دخلت معالم الثقافة الفارسیة فی‏الآداب العربیة تطور فن الوصفحتى تبدل الى فن مستقل فی‏العصر العباسی، و بدا الشعراء بوصف الریاض و الازهار والبساتین و افردوا بابا خاصا بشعر الطبیعة و اتسع نطاق وصف الطبیعة و تغیرت النعوتالتی استخدمها العرب فی‏اشعارهم.

و اشتهر من شعراء الوصف فی هذا العصر ابن الرومی و ابن المعتز والصنوبری الذین سجلوا ظاهرات الطبیعة تسجیل فن و دقة و اخرجوها اخراجا فنیا حافلابالحیاة و الحرکة . على سبیل المثال یعالج الصنوبری الطبیعة معالجة فسیفسائیة محاولااحیاءها باللون و الحرکة و استنطاق مشاهدها بصور رائعة و کلمات جمیلة فی التعبیر وهو فی روضیاته یرسم معرضا فنیا بتشخیص المشاهد و احیاء المرئیات. یقول الصنوبرى واصفا معرکة الازهار: خجل الورد حین لا حظه النرجس من حسنه وغار البهار فعلت ذاک حمرة، وعلت ذا صفرة و اعترى البهار اصفرار و غذا الاقحوان یضحک عجبا عن ثنایا لثامهن نضارهام شعراء الاندلس بالطبیعة و ابدعوا فى وصف جمالها و تصویر مناظرهاالبدیعة. یقول ابن خفاجة فى وصف شجرة نارنج: الا افصح الطیر، حتى خطب و خف له الغصن، حتى اضطرب فمل طربا بین ظل،هفا ، رطیب، و ماء، هناک، انثعب وجل فی الحدیقة اخت المنى، ودن بالمدامة ام الطربوحاملة، من بنات القنا، امالید تحمل خضر العذب تنوب، مورقة، عن عذار، و تضحک،زاهرة، عن شنب و تندى بها، فی مهب الصبا، زبرجدة اثمرت بالذهب تفاوح انفاسها تارة وطورا تغازلها من کثب فتبسم، فى حالة، عن رضا ، و تنظر، آونة، عن غضبو قادهم الترف الوصفى الى اقامة مجالس مناظرات و منافسات بین الازهارو غیرها و التی حفلت‏بالبلاغة و الموسیقى العذبة و ان خلت من العمق و التحلیق فیآفاق واسعة. و امتاز شعرهم فی‏الطبیعة بالتنمیق و التانیق . هکذا کان شعر الطبیعة عند الشعراء العرب القدماء الذین وصفوا الطبیعةوصفا حسیا باستعمال التشبیهات و الاستعارات و المجازات. و ظل الامر کذلک فى عصر النهضة عند اصحاب المدرسة الکلاسیکیة امثالمحمود سامی البارودی و احمد شوقی و حافظ ابراهیم. حیث اتبعوا سابقیهم القدامى فیهذا المجال. حتى تغیرت نظرة الشعراء الى الطبیعة فی العصر الحدیث اثر تعرفهم علىالآداب الغربیة و تاثرهم بشعراء الغرب. فجاء شعرهم فی الطبیعة کما جاء عند الشعراءالغربیین الرومانسیین الذین هاموا بالطبیعة و فتنوابها و اعتبروها الملاذ الاولالذی یجدون فیه الامن و العطف، فکانوا یلتجاون الیها هربا من متاعب الحیاة و مشاکلالناس و قیود المجتمع. یبثونها مشاعرهم و انفعالاتهم و احزانهم و یتبادلون معهاالعواطف و الاحاسیس و یضعون علیها ذواتا حیة و صفات انسانیة. و شاع هذا الامر عندمعظم الشعراء الرومانسیین من " خلیل مطران" الى "عبدالرحمن شکری" و "على محمود طه" و "ابراهیم ناجی" و... . شغلت الطبیعة جزءا کبیرا من شعر "خلیل مطران" بصفته راس المدرسةالرومانسیة حیث افرد لها القصائد الطوال و خلق فیها روحا حیة و جعل منها کائناتمفکرة تشارکه فی احواله و لهذا فهو حین یشاهد منظرا طبیعیا لا یصفه الوصف الحسی ولا یقف عند السطحیة المجردة و لکنه یتاثر. بها و ینظر الیه من خلال فکره و شعورهفیعمل بما یرى بل انه قد تشرک الطبیعة فی هذا الشعور فتکتئب لاکتئابه و تتالم لالمهاو تفرح لفرحه. و من هنا یظهر لنا ان مطران کان عاشقا للطبیعة محبا لها الحب القوىو مثل هذه الرؤیة للطبیعة تعد مذهبا شعریا فی الادب العربی یخص بمطران فی العصرالحدیث‏ا تبعه الشعراء المعاصرون . وها هو خلیل مطران الذی یلجا الى الطبیعة فی قصیدته المساء و یتخذ منالبحر صدیقا یبثه نجواه و یشکو له همومه حیث‏یقول: شاک الى البحر اضطراب خواطری فیجیبنی بریاحه الهوجاء ثاو على صخر اصم،و لیت لی قلبا کهذى الصخرة الصماء ینتابها موج کموج مکارهی و یفتهاکالسقم فی اعضائىو البحر خفاق الجوانب صائق کمدا کصدری ساعة الامساء و الافق معتکر قریح جفنه یعضىعلى الغمرات و الاقذاء یا للغروب و مابه من عبرة للمستهام و عبرة للرائى او لیسنزعا للنهار و صرعة للشمس بین ماتم الاضواءو هو یشرک مظاهر الطبیعة من البحر و الصخر و الامواج فی حالاتهالنفسیة و یقیم على صخر لا یحس بآلامه فیتمنى ان یکون‏له قلب قاس صلبمثل‏هذه‏الصخرة حتى لا تشعر بآلام الحب و الفراق. تلک الصخرة تستقبل تدافع الامواج دون ان تؤثر فیها بینما تتدافع امواجالآلام النفسیة و الجسدیة على قلب الشاعر فتؤثر فى جسمه کله. و البحر کمظهر آخر یبدو مضطربا ضائقا مثلما یضیق صدره بما یعانیه حینیحل المساء. و هو حین شکا الى البحر اضطراب خواطره لم یقف البحر جامدا ازاءه بلانفعل لانفعاله و اجابه بریاح الهوجاء التی عبرت عن العاصفة التی هبت على قلبالشاعر و هزت احساسه الداخلی و هنا یتم الاندماج و الامتزاج بین العالم الداخلیللشاعر و بین العالم الخارجی من الطبیعة. فقد اصطدمت الامواج بالصخرة الصماء کما اصطدمت المکاره بقلبه وعصفت‏بها کما یصف السقم باعضائه. فنجدالافق من حول الشاعر تعلوه ظلمة و کانهاایالظلمة تنبع من قلب الشاعر لامن الآفاق التی تبدا فی استقبال الظلام بحزن و اسى. و یعد خلیل مطران على هذا صاحب مذهب فی الطبیعة تدفعه الى ذلک رقةاحساسه و شدة اعجابه بکیانها المبدع و نظرته الشاملة للکون و مافیه. و هو الى جانبهذه المشارکة الوجدانیة فی قصیدته المساء، کان یمیل الى التفانی فی الطبیعة، فهویسمح فی ارجاء سکونها و فی اعماق فضائها، فیحس بکل نغمة من نغماتها او صدى مناصدائها. و تحتضنه الطبیعة بعد ذلک کالام و تریه من بدیع صنع الخالق ما تنبض به کلخلجة من خلجاته. یلقى الشاعر الرومانسی باحزانه و همومه فی احضان الطبیعة و یبثهاآلامه و یتخذ بعضهم من اللیل مستودعا لاسراره و همومه و فهو عندهم رمز الفناء لهذاالعالم الصاخب و سبیل الخلاص مما فیه من آثام و مجال للانطلاق الرحب للخیالات والاحلام . و النهار عند هم یکشف عن الکائنات و یحدد معالمها واضحة دون غموض، لکناللیل یخفى معالم الاشیاء و الکائنات فتذوب فی بحر الظلام و ترفع الحدود و تسبحالروح فی رحب اسراره. و اللیل مجال یبث الشاعر فی سکونه و ظلمته، غربته و حزنه و حبه الضائعو آماله المفقودة بعیدا عن اعین الناس . یعد اللجوء الى الطبیعة و الالتفات الى مشاهدها من ملامح النزعةالوجدانیة عند شعراء مدرسة الدیوان (عباس محمود العقاد المازنی - عبدالرحمن شکری) واتخذ هؤلاء الشعراء الثلاثة من الطبیعة رمزا لعالمهم النفسی و خلعوا علیها کثیرا منمشاعرهم الذاتیة. فالبحر عندهم رمز للاسرار و الامتداد و الابد. و عبدالرحمن شکری من الشعراء الذین اندمجوا فی الطبیعة و عاشوا حیاتهممتجاوبین مع اصداء انغامها و یرشفون احلى لمسات جمالها الخلاق فظهر دیوانه‏الاولعام‏1909 م. هادئا مبددا ظلمة اللیل الحالک الذی ساد اغراض الشعر. الاوهو دیوانهضوء الفجر و لهذا العنوان دلالة على عبادته للطبیعة التی یتجلى صدق احساسها و روعةتصمیمها على الحیاة و الاستمرار و الانتصار فی اول اشعاعات الفجر فهذه تحیة للشمسعند شروقها یقول فیها؟اشرقی یا طلعة الشمس علینا و اثیری انت لعزى حیاة و حلى الروض النضیرلیک لاترتاح نفس للبهاء المستنیرهذا الاستهلال البارع یعبرعن مکنون الشاعر الفرح المبتهج لهذا النورالذی یغمر الاحیاء و الاغراس، و الریاض و یدخل ضوؤها فی النفس فتسکین لبهائهاالمستنیر. یبث فی الشمس الحیاة و یجعلها انسانا رحیما. و یؤثر شکری احیانا ان یکون رساما یمسک بریشته و یتناول مظاهر الجمالفی الطبیعة لیتصورها شعرا کما فی قصیده حدیقة: فیحاء زان شبابها لون الربیع الازهر حین الحدیقه جمة تزهو باروع منظرمن کل محمود البها ء مکلل و منور و الورد یقطر بالندی کالعاشق المستقبرو اذا تتبعنا النضج الفنی للشاعر فی وصفه للطبیعة وجدنا ان الخیطالرومانسی یتضح و ینضج فی دیوانه الثانی الذین صدر فی‏عام‏1913 و اطلق علیه لآلى‏ءالافکار و یطالعنا بقصیدة مظلمة قاتمة تبعث فی النفس رهبة و توقظ فی الروح رجفة هیقصیدة "صوت اللیل" و هل للیل صوت نسمعه؟ هکذا یتخیل الشاعر و یدمج‏بین مشاعرهالمبهجة الغامضة و بین اللیل البهیم: ملات الکون من نفس عمیق فاسمع کل ذى قلب صفیق و اجریت الجلال على سکونیفیض على ظلامک کالانیق و افرست الحیاة و براغیبها و ریح الموت تخفق منک فیهایا لها من صور رهیبة قاتمة کانما نسمع اللیل حقا و هو یشهق و یزفر وتنفذ انفاسه الى قلوبنا ثم بعد ذلک الجلال و السکون و الظلام و الانین و اجراسالحیاة و راغبی الحیاة و الموت صورة قاتمة حزینة حقا. ان الشاعر الرومانسى فی العصر الحدیث‏یفر الى الطبیعة هربا من وجهالحیاة الکریه ثم یعدد و یمله و ینفر منه شان کل قلق مضطرب. هکذا التفت الشعراء المعاصرون الى الطبیعة. ادخلوها غالبا من حیثلایشعرون فی نسیج فکرتهم العامة عن الحیاة و شکواهم الصارخة ضد الاحیاء و مالوابهانحو التامل و العبرة و بذلک یمکن القول: ان الوصف فی مجموعه کان من النوع الذاتیالذی یهتم فیه الشاعر بالحدیث عن نفسه اکثر من الموصوف و هذا النوع من الشعر موغلفی الذایته، ثم انه یمتطى فیه اجنحة الخیال فیرتفع بنفسه و بالموصوف الى اجواءشاعریة ساحرة لعل من اروع النماذج لهذا اللون . من اى عهد فى القرى تتدفق و باى کف فى المدائن تغدق و من السماء نزلتام فجرت من علیا الجنان جداولا نترقرق و باى نول انت ناسج‏بردة فى الضفتین جدیدهالا یخلق فى کل آونة تبدل صبغة عجبا و انت الصانع المتانق تسقى و تطعم لا اناؤک ضائقبالواردین و لا خوانک ینفق و الماء تسکبه فیسبک عسجدا و الارض تغرقها فیحیا المغرقالمراجعلغة الشعر العربى الحدیث، مقوماتها الفنیة و طاقاتها الابداعیة سعیدالورق. دار النهضة العربیة، بیروت ، ط‏3، 1984. الشعرو اللغة، لطفى عبدالبدیع، الحرکة المصریة العالمیة للنشر،ط‏1917النقد الادبى الحدیث. اصوله و التجاهات رواده، محمد زغلول سلام. الشعر المترجم و محرکة التجدید فی الشعر الحدیث، حلمى بدیر دارالمعارف، القاهره ط 2 1991 . - عبدالرحمن شکری، شاعرالوجدان، سیرى محمد سلامه، دارالمعرفةالجامعیة، اسکندریة، مصر 1994 . - التجدید فی شعر خلیل مطران، سعید حسین منصور، الهیئة المصریة العامةالتالیف والنشر ط 2،1977 م. الاتجاه الوحدانى فی الشعر العربی المعاصر عبد القادر القط،دارالنهضة، بیروت، ص 2 1981 مالشعر العربی فی المهجر، محمد عبدالغنى حسن مؤسسة الخانجى، القاهره ط 2 1962 م

/ 0 نظر / 214 بازدید